
رؤية · الابتكار والسياسات
في الأسواق التي تفتقر إلى أنظمة حماية رسمية، ولا توفر إعانات بطالة، ولا إطاراً للإفلاس، ولا حداً أدنى مؤسساتياً يحمي من عواقب الفشل، تبرز سمة ثابتة ومتكررة؛ فالأشخاص الذين يعملون في ظل هذه الظروف يتحركون بسرعة أكبر، ويتكيفون بسهولة أكبر، ويجدون حلولاً تجارية حتى قبل أن يدرك القطاع الرسمي وجود المشكلة أصلاً. ليس لأنهم أكثر موهبة، بل لأنه ليس لديهم خيار الانتظار.
هذا ليس دفاعاً ضد الحماية الاجتماعية؛ فالحجة الداعمة لشبكات الأمان قوية ولا نقاش فيها هنا. ولكن ما يجري بحثه هو أمر أكثر تحديداً: كيف تتفاعل الحماية مع الظروف التي تدفع بالابتكار والطموح، وهل جرى التفكير في هذا التفاعل بعناية كافية؟
الملاحظة: ماذا يحدث عندما لا يفرض السقوط التغيير
الجانب الآخر لهذه الملاحظة يتسم بالثبات نفسه ولكنه لا يحظى بالنقاش الكافي؛ إذ إن غريزة التكيف نفسها، والسرعة، والمرونة التجارية الكافية للتحول قبل إغلاق النافذة المتاحة، تبدو أقل حضوراً بشكل ملحوظ في البيئات التي تتمتع بأنظمة حماية قوية. هذا ليس انتقاداً للأفراد في تلك البيئات، بل هو ملاحظة حول النظام نفسه. فعندما لا يترتب على الانتظار تكلفة فورية، ينتظر الناس. وعندما يتراجع أداء شركة لسنوات دون أن تضطر إلى التغيير، فإنها غالباً ما تظل على حالها. وعندما يتلقى الفرد دعماً يحميه أثناء تحديد خطواته التالية، تفقد المسألة طابع الاستعجال والسرعة. لا شيء من هذا يعد أمراً غير عقلاني؛ بل هو بالضبط ما ينتجه نظام مصمم لتقليل تكلفة الفشل، مما يعني أيضاً أنه يقلل في المقام الأول من الضغط لتجنب هذا الفشل.
إن شبكة الحماية لا تقتصر على إنقاذ الناس عند السقوط، بل إنها تغير أيضاً حسابات المبادرة بالعمل. كلا الأثرين حقيقيان، ولكن واحداً منهما فقط هو الذي يظهر في معظم نقاشات السياسات العامة.
لا يوجد نظام أفضل من الآخر بشكل مطلق؛ فالأسواق الخالية من شبكات الأمان تنتج دافعاً حقيقياً لريادة الأعمال ومرونة أصلية في التكيف، ولكن بتكلفة إنسانية باهظة. أما الأسواق التي توفر شبكات أمان، فتنتج الأمان والاستقرار، ولكن على حساب غياب عنصر الاستعجال الذي يدفع الناس إلى التحرك لتصحيح أوضاعهم. كلا الجانبين ينطويان على مقايضة حقيقية. والسؤال الذي يستحق الطرح هو ما إذا كان تصميم الحماية الحالي في الأسواق المستقرة قد حقق التوازن الصحيح، أم أنه انحرف مع مرور الوقت نحو تقديم حماية أقل مما يعد به، مع إضعاف الطموح الذي لم يلزم التفكير فيه من قبل.
مقارنة الابتكار: سريع ولكن سطحي، بطيء ولكن قابل للتوسع. ما يفتقده كل منهما.
عندما يفتقر الناس لشبكة أمان، يختلف شكل الابتكار الذي ينتجونه؛ فالشخص الذي يحتاج إلى حل بحلول الغد، لعدم وجود بديل في حال لم يجده، لا يدير عملية لتطوير المنتجات تستغرق ستة أشهر. بل يلاحظ المشكلة ويجد أسرع حل فعال ويطبقه فوراً. إن الفجوة الزمنية بين رصد الفرصة واختبارها تجارياً تُقاس بالأيام لا بالأشهر. والدافع هنا ليس النمو بل البقاء، والذي يتبين أنه محرك أقوى وأكثر حدة من معظم الدوافع الأخرى.
أما الابتكار الذي ينبثق من منظومات غنية بالموارد، تحظى برأس المال الجريء، ومسرعات الأعمال، وفترات تطوير طويلة، فيبدو مختلفاً؛ إذ يمكنه الذهاب إلى أبعد من ذلك، والتوسع بشكل أكبر، وبناء بنية تحتية أكثر استدامة. إن سقف الطموح هنا أعلى، ولكن مستوى الاستعجال والسرعة أقل. وفي حالات كثيرة، يؤدي هذا الاستعجال المنخفض إلى دورات تطوير أطول، ومزيد من الحذر، وتقديم حلول مصممة لتناسب خطط العمل بدلاً من معالجة المشكلة الفعلية.
لقد بدأت المؤسسات الكبرى تلاحظ هذا الأمر وبدأت في إجراء تجارب لمعالجته: من خلال منح فرق عمل صغيرة مواعيد نهائية صارمة وميزانية محدودة، وإلغاء الموافقات الروتينية، ومطالبتهم بإيجاد حل فعال أو التوقف. هذه ليست برامج معقدة، بل هي نسخ صُنعت عمداً لتمثيل حالة الضرورة القصوى. وفي عدة حالات، أنتجت هذه الفرق نتائج أفضل من نظيراتها التي حظيت بالموارد الكاملة ومُنحت ثلاثة أضعاف الوقت. ونادراً ما تصف المؤسسات التي تفعل ذلك الأمر بهذا الشكل، ولكن هذا هو المنطق الكامن وراءه.
إن تجارب الابتكار الأكثر فعالية في الأسواق المستقرة هي تلك التي تزيل شبكة الأمان عمداً وبشكل مؤقت، ضمن ظروف خاضعة للرقابة. هذا ليس من قبيل الصدفة، بل هو جوهر الفكرة.
سؤال السياسات: إعادة التفكير في كيفية هيكلة الحماية
إن النزعة السائدة في نقاشات السياسات تميل إلى التعامل الثنائي مع هذه المسألة: فإما أن تحمي الناس أو تعرضهم للضغوط. وتشير الأدلة من كلا طرفي هذا الطيف إلى أن الأمر أكثر دقة من ذلك، وأن هذا الإطار الثنائي قد أنتج أنظمة ليست بالقدر الكافي من الحماية التي تدعيها، بينما تحد من الطموح أكثر مما ينبغي.
وتشير بعض التجارب الحديثة إلى منحى مغاير: كتقديم دعم محدد المدة ومرتبط ببناء شيء ما بدلاً من مجرد البحث عن وظيفة بديلة، والاعتراف بالنشاط التجاري غير الرسمي كمساهمة اقتصادية حقيقية بدلاً من اعتباره مجرد فجوة في السيرة الذاتية، وإطلاق برامج ابتكار تضع قيوداً متعمدة على الموارد بدلاً من تعظيمها. لا يمثل أي من هذه النماذج نموذجاً مكتملاً بعد، ولكن الاتجاه الذي تشير إليه واضح: وهو أن الحماية التي تنقذ الناس دون أن تزيل من نفوسهم دافع التحرك والعمل تتطلب تصميماً أكثر دقة وعناية مما توفره معظم الأنظمة الحالية.
لقد تعلم الأفراد والشركات الذين عملوا دون أي شبكة أمان، بتكلفة إنسانية حقيقية ودون اختيار منهم، أموراً عن تكلفة هذه الشبكة لا يمكن لأي ورقة سياسات أن تحاكيها. إن التعامل مع هذه الملاحظات باعتبارها بيانات مثيرة للاهتمام قادمة من سياقات بعيدة، أو كعناصر مدخلة مباشرة في كيفية تصميم الاقتصاديات المستقرة لأنظمتها الخاصة، هو خيار قائم، ويستحق أن يُتخذ بوعي وعناية.
إن الحماية أمراً ضرورياً، ولكن السؤال يكمن في ما إذا كانت قد صُممت بعناية كافية، وما إذا كان للأشخاص الذين قضوا سنوات طويلة يعملون بدونها رأي يستحق الاستماع إليه قبل اعتبار هذا التصميم مسألة منتهية.
تعكس هذه الرؤية وجهة نظر ممارس من منصة "صنجنيب" (Sanganeb) حول الابتكار، وتصميم سوق العمل، والظروف التي تنتج القدرة على التكيف، مستمدة من التعامل المباشر مع برامج تطوير القطاع الخاص في السياقات المتأثرة بالصراعات والأسواق الناشئة في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط.
تعمل منصة "صنجنيب" مع الشركات الناشئة، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومنصات الأعمال لتعزيز الأداء والجاهزية للنمو، وذلك باستخدام الاستراتيجيات، والأدوات التشغيلية، والذكاء الاصطناعي التطبيقي لتحويل الطموح إلى نتائج مستدامة.
قراءات ذات صلة تهمك
اكتشف المزيد من المقالات التي توافق اهتماماتك واستمر في الاستكشاف.

